الخميس، 15 نوفمبر 2012


الذكاة الشرعية:
الذكاة في الأصل معناها التطيب،ومنه:رائحة ذكية أي طيبة،وسمي بها الذبح لأن الإباحة الشرعية جعلته طيبا.

وقيل:الذكاة معناها:التيمم ومنه:فلان ذكي،أي :تام الفهم.
والمقصود بها هنا ذبح الحيوان أو نحره
 بقطع حلقومه أو مريئه،فإن الحيوان الذي يحل أكله لا يجوز أكل شيء منه إلا بالتذكية ما عدا السمك والجراد.

لقد ثبت علميا وبشكل مؤكد أن جسم الميتة في الحيوانات يحتبس فيه الدم وسمومه، وقد يتخلل جميع الأنسجة اللحمية، وتبدأ السموم عملها في كل خلايا الجسم، فتكتسب الميتة اللون الداكن، وتمتلئ الأوردة السطحية بالدماء، وتتوقف الدورة الدموية دون أن يتسرب حتى ولو قدر ضئيل من تلك الدماء إلى خارج الجسم، وتصبح بذلك الميتة كلها بؤرة فاسدة للأمراض، ومجمعا خبيثا للميكروبات، ويبدأ التعفن عمله فيها، ويعم أثره في اللحم لونا وطعما ورائحة، فالميتة إذن ليست من الطيبات على الإطلاق ..(شرح مفردات الصف العاشر)

تفسير سورة الأنعام..
                      

«فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه إن كنتم بآياته مؤمنين. وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ، وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه - وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم. إن ربك هو أعلم بالمعتدين.
وذروا ظاهر الإثم وباطنه. إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون. ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه ، وإنه لفسق ، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ...
((1/2378)
118 - 121) «وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، فقالوا : هذا للّه - بزعمهم - وهذا لشركائنا. فما كان لشركائهم فلا يصل إلى اللّه ، وما كان للّه فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون! وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ، ليردوهم ، وليلبسوا عليهم دينهم. ولو شاء اللّه ما فعلوه ، فذرهم وما يفترون. وقالوا : هذه أنعام وحرث حجر ، لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها ، وأنعام لا يذكرون اسم اللّه عليها - افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ، ومحرم على أزواجنا ، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. سيجزيهم وصفهم. إنه حكيم عليم.
قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ، وحرموا ما رزقهم اللّه - افتراء على اللّه - قد ضلوا وما كانوا مهتدين» ... (136 - 140).
«هذه هي المناسبة الحاضرة في حياة الأمة المسلمة - والجاهلية من حولها - التي تتمثل فيها تلك القضية الكبيرة ..
قضية التشريع والحاكمية .. ومن ورائها القضية الكبرى .. قضية الالوهية والعبودية التي تواجهها السورة كلها ، ويعالجها القرآن المكي كله ، كما يعالجها القرآن المدني أيضا ، كلما جاء ذكر النظام فيه وذكر التشريع.
«والحشد الذي يتدفق به سياق السورة من التقريرات والمؤثرات ، وهو يواجه الجاهلية وأهلها في أمر هذه الأنعام والذبائح والنذور - وهي المناسبة التي تتمثل فيها قضية حق الحاكمية والتشريع - وربطها بقضية العقيدة كلها .. قضية الألوهية والعبودية .. وجعلها مسألة إيمان أو كفر ، ومسألة إسلام أو جاهلية .. هذا الحشد - على هذا النحو الذي سنحاول أن نستعرض نماذج منه في هذا التعريف المختصر بالسورة ، والذي سيتجلى على حقيقته في المواجهة التفصيلية للنصوص في السياق بعد ذلك - يوقع في النفس تلك الحقيقة الأصيلة في طبيعة هذا الدين.
(1/2379)
وهي أن كل جزئية صغيرة في الحياة الإنسانية يجب أن تخضع خضوعا مطلقا لحاكمية اللّه المباشرة الممثلة في شريعته. وإلا فهو الخروج من هذا الدين جملة ، من أجل الخروج على حاكمية اللّه المطلقة في تلك الجزئية الصغيرة.

«فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه إن كنتم بآياته مؤمنين. وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ، وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه - وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم. إن ربك هو أعلم بالمعتدين.
وذروا ظاهر الإثم وباطنه. إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون. ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه ، وإنه لفسق ، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ...
((1/2378)
118 - 121) «وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، فقالوا : هذا للّه - بزعمهم - وهذا لشركائنا. فما كان لشركائهم فلا يصل إلى اللّه ، وما كان للّه فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون! وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ، ليردوهم ، وليلبسوا عليهم دينهم. ولو شاء اللّه ما فعلوه ، فذرهم وما يفترون. وقالوا : هذه أنعام وحرث حجر ، لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها ، وأنعام لا يذكرون اسم اللّه عليها - افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ، ومحرم على أزواجنا ، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. سيجزيهم وصفهم. إنه حكيم عليم.
قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ، وحرموا ما رزقهم اللّه - افتراء على اللّه - قد ضلوا وما كانوا مهتدين» ... (136 - 140).
«هذه هي المناسبة الحاضرة في حياة الأمة المسلمة - والجاهلية من حولها - التي تتمثل فيها تلك القضية الكبيرة ..
قضية التشريع والحاكمية .. ومن ورائها القضية الكبرى .. قضية الالوهية والعبودية التي تواجهها السورة كلها ، ويعالجها القرآن المكي كله ، كما يعالجها القرآن المدني أيضا ، كلما جاء ذكر النظام فيه وذكر التشريع.
«والحشد الذي يتدفق به سياق السورة من التقريرات والمؤثرات ، وهو يواجه الجاهلية وأهلها في أمر هذه الأنعام والذبائح والنذور - وهي المناسبة التي تتمثل فيها قضية حق الحاكمية والتشريع - وربطها بقضية العقيدة كلها .. قضية الألوهية والعبودية .. وجعلها مسألة إيمان أو كفر ، ومسألة إسلام أو جاهلية .. هذا الحشد - على هذا النحو الذي سنحاول أن نستعرض نماذج منه في هذا التعريف المختصر بالسورة ، والذي سيتجلى على حقيقته في المواجهة التفصيلية للنصوص في السياق بعد ذلك - يوقع في النفس تلك الحقيقة الأصيلة في طبيعة هذا الدين.
(1/2379)
وهي أن كل جزئية صغيرة في الحياة الإنسانية يجب أن تخضع خضوعا مطلقا لحاكمية اللّه المباشرة الممثلة في شريعته. وإلا فهو الخروج من هذا الدين جملة ، من أجل الخروج على حاكمية اللّه المطلقة في تلك الجزئية الصغيرة.

(3/1180)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1181
«كذلك يدل ذلك الحشد على مدى الأهمية التي ينوطها هذا الدين بتخليص مظهر الحياة كله من ظلال حاكمية البشر في أي شأن من شؤون البشر - جل أم حقر ، كبر أم صغر - وربط أي شأن من هذه الشؤون بالأصل الكبير الذي يتمثل فيه هذا الدين .. وهو حاكمية اللّه المطلقة التي تتمثل فيها ألوهيته في الأرض ، كما تتمثل ألوهيته في الكون كله بتصريف أمر هذا الكون كله بلا شريك «1» ..
هذه المناسبة التي كانت حاضرة في حياة الأمة المسلمة - والجاهلية من حولها - والتي عالجها سياق السورة على هذا النحو الذي سبقت الاشارة إليه في هذه المقتطفات .. هي هي موضوع بقية السورة التي سنعالجها في هذا الجزء. بعد ما مضى الشطر الأول من السورة في عرض قضية الألوهية والعبودية في محيطها الشامل وانتهى السياق إلى مواجهة هذه المناسبة الواقعية ، فربط بينها وبين القضية الكبرى ، ذلك الربط القوي المباشر.
إن السياق القرآني يحشد - لمواجهة تلك التقاليد الجاهلية في تحريم بعض المطاعم وتحليل بعضها وفي النذور من الثمار والأنعام والأولاد - حشدا ضخما من المؤثرات والتقريرات ويربطها بجملة من الحقائق والقواعد ، هي حقائق هذا الدين وقواعده الأساسية ويقدم لها ويعقب عليها تقدمات ضخمة وتعقيبات هائلة مما يدل على الأهمية البالغة التي ينوطها هذا الدين ، بتخليص الحياة كلها من قبضة الجاهلية وردها بجملتها إلى الإسلام .. أي إلى سلطان اللّه وحده ..
(1/2380)
وهكذا يبدأ السياق بتقدمة لهذه القضية عن إحاطة مشيئة اللّه بالعباد جميعا : جنهم وإنسهم. وجريان الأحداث في هذه العوالم بمشيئته وقدره واستدراجه لأعداء الرسل من شياطين الإنس والجن وإمهاله لهم ، ليقترفوا ما هم مقترفون ولو شاء اللّه لقهرهم على الهدى ولكفهم عن الضلال قهرا أو لهداهم إلى الحق وشرح صدورهم له. أو لكفهم عن أذى الرسل والمؤمنين فلم يصلوا إليهم. فهم لا يعادون الرسل ، ولا يقترفون ما يقترفون ، خروجا على سلطان اللّه ومشيئته فهم أعجز من أن يخرجوا على سلطان اللّه ومشيئته. إنما هي مشيئة اللّه اقتضت أن يترك لهم الخيار والقدرة على الهدى وعلى الضلال وهم في قبضته على كل حال : «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، ولو شاء ربك ما فعلوه ، فذرهم وما يفترون. ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وليرضوه ، وليقترفوا ما هم مقترفون» ..
فإذا تقرر أن عداء شياطين الإنس والجن للرسل سنة يجري بها قدر اللّه. وأن هؤلاء الشياطين ، على كل ما يرتكبونه ، هم في قبضة اللّه. استنكر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يبتغي «حكما» غير اللّه .. هكذا على الإطلاق ، في أي شأن وفي أي أمر .. ذلك أن تحكيم غير اللّه في شأن هذه المطاعم هو كالتحكيم لغير اللّه في كل شأن. وهو إقامة ربوبية غير ربوبية اللّه ينكرها رسول اللّه .. وأعقب ذلك تقرير أن كلمة ربه قد تمت بهذا الكتاب وبهذه الشريعة فلم يعد هناك قول لقائل ، ولا حكم لبشر. وحذر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يطيع البشر في دين اللّه فإن أكثرهم لا يتبعون إلا الظن ولا علم عندهم يستيقن ومن يطعهم يضلوه.
(1/2381)
واللّه وحده هو الذي يعلم الضالين والمهتدين من عباده .. وكان ذلك كله تمهيدا للأمر بالأكل مما ذكر اسم اللّه عليه ان كان المسلمون مؤمنين ، والنهي عن الأكل مما لم يذكر اسم اللّه عليه. وتحذيرهم أن يطيعوا أولياء الشياطين في شيء من التحليل والتحريم. وإلا فهم مثلهم مشركون : وأنهيت الفقرة ببيان عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان ، والدوافع التي تدفع بالكافرين إلى هذا الذي يقترفون : «أفغير اللّه أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم
_____________
(1) ص 1017 - 1018 من الجزء السابع.

(3/1181)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1182
الكتاب مفصلا ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ، فلا تكونن من الممترين. وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ، وهو السميع العليم. وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه ، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ..
فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه إن كنتم بآياته مؤمنين. وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ، وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه - وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ، إن ربك هو أعلم بالمعتدين.
وذروا ظاهر الإثم وباطنه ، إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون .. ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون .. أو من كان ميتا فأحييناه ، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون. وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. وإذا جاءتهم آية قالوا : لن نؤمن حتى نؤتى مثلما أوتي رسل اللّه. اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.
(1/2382)
سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللّه وعذاب شديد بما كانوا يمكرون» ..
ثم يعود السياق فيقرر أن هدى المهتدين وضلال الضالين .. كلاهما إنما يتم بقدر من اللّه. وأن هؤلاء كهؤلاء في قبضة اللّه وسلطانه ، وفي اطار مشيئته وقدره : «فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام. ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء. كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون».
وينهي هذه الفقرة بتقرير أن ما مر من الأمر والنهي ، ومن الاعتقاد والتصور ، هو صراط اللّه المستقيم. فيربط بين ذلك الأمر والنهي وبين أصول الاعتقاد في مشيئة اللّه وقدره ، ويجعلهما حزمة واحدة. كما يجعلهما صراط اللّه المستقيم الذي يأمر اللّه العباد أن يسلكوه إليه ، لينتهوا إلى دار السلام والأمن عند ربهم وهو وليهم وناصرهم :
«وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون. لهم دار السلام عند ربهم ، وهو وليهم بما كانوا يعملون».
(1/2383)
ولا تنتهي التعقيبات على مسألة الأمر والنهي في تناول الذبائح ، حتى يعرض السياق مصير شياطين الإنس والجن الذين يجادلون المؤمنين في هذه القضية وهم في قبضة اللّه - صاحب السلطان وصاحب الحكم في المصائر - وحتى يعرض سلطان اللّه كذلك في استخلاف من يستخلف في هذه الأرض ، والذهاب بمن يريد له أن يذهب. وتهديد من يركب رأسه منهم في الدنيا - بسبب ما منحه اللّه من حرية في اختيار طريقه ، ابتلاء من اللّه واختبارا - بانتهاء المهلة والأخذ بما كسب في فترة الابتلاء والاختبار : «ويوم يحشرهم جميعا : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس! وقال أولياؤهم من الإنس : ربنا استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا. قال : النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء اللّه - إن ربك حكيم عليم. وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون. يا معشر الجن والإنس ، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ، وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا : شهدنا على أنفسنا ، وغرتهم الحياة الدنيا ، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين.
ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون. ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون.
وربك الغني ذو الرحمة ، إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين.
إن ما توعدون لآت ، وما أنتم بمعجزين. قل : يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ، إنه لا يفلح الظالمون» ..
بهذا الحشد العجيب من حقائق العقيدة الأساسية ، ومن المشاهد والمواقف والمؤثرات الموحية ومن تسليط

(3/1182)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1183
(1/2384)
الأضواء على حقائق المشيئة وحقائق الوجود الكوني وحقائق النفس البشرية والدوافع الظاهرة والخفية في حياة البشر. ومن التقريرات الشاملة عن سلطان اللّه في السماوات والأرض وفي الدنيا والآخرة وفي حياة البشر المستترة والظاهرة ... بهذا الحشد كله يواجه المنهج القرآني ظاهرة واحدة من ظواهر الجاهلية في الأكل أو عدم الأكل من ذبيحة .. فماذا؟ .. إنها القضية الأساسية في هذا الدين .. قضية الحاكمية ولمن تكون ... وبالتعبير المرادف .. قضية الألوهية والربوبية ولمن تكون .. ومن ثم تنال هذه الملابسة الجزئية كل هذا الاحتشاد والتجمع والاحتفال ..
وبمثل هذا الاحتشاد وهذا الاحتفال وهذا التجمع يواجه كذلك مسألة النذور في الجاهلية من الثمار والأنعام .. والأولاد ..
(1/2385)
إن جاهلية العرب لم تكن تجحد اللّه البتة. ولم تكن تجعل معه إلها آخر يساويه! ولكنها إنما كانت تجعل معه آلهة - من دونه - أقل منه منزلة ورتبة! وكانوا يقولون : إنهم إنما يتخذون من هذه الآلهة شفعاء يقربونهم إلى اللّه .. وفي هذا كان شركهم. وبهذا كانوا مشركين! وكان من شركهم كذلك أن يبتدعوا هم من عند أنفسهم - يقوم بذلك كهانهم ومشايخهم - شرائع وتقاليد في حياتهم ثم يزعمون أن اللّه شرعها لهم ، وأمرهم بها! .. إنهم لم يكونوا من التبجح في الشرك بحيث ينسبون هذه الشرائع إلى أنفسهم ويدعون أن لهم هم سلطة الحاكمية العليا التي يصدرون بها الشرائع مستقلين عن سلطان اللّه! لم يكونوا قد عرفوا بعد هذا التبجح الذي عرفه مشركو هذا الزمان ممن يدعون - من دون اللّه - السلطان .. وفي هذا كذلك كان شركهم وبهذا كانوا مشركين! من هذه الشرائع والتقاليد التي ابتدعوها وزعموا أنها شريعة اللّه ما كانوا ينذرونه من الثمار والأنعام للّه سبحانه ولآلهتهم المدعاة! ثم يتصرفون بعد ذلك على هواهم أو على هوى السدنة والكهنة «فما كان لشركائهم فلا يصل إلى اللّه ، وما كان للّه ، فهو يصل إلى شركائهم»! ومنها ما كانوا ينذرونه من أولادهم للآلهة المزعومة وما كانوا يقتلونه من البنات اتباعا لعرف القبيلة! ومنها ما كانوا يحجرونه من الأنعام ومن الزروع لا يطعمه إلا من شاء اللّه - وهم الذين يزعمون تحريمها ، وهم كذلك الذين يعينون من هم الذين شاء اللّه أن يطعموها! ومنها ما كانوا يحرمون ركوبه من الأنعام. كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي «1»! ومنها ما كانوا يمنعون أن يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح. زاعمين أن هذا من أمر اللّه! ومنها ما كانوا يخصصونه - من الحمل الذي في بطون الأنعام - للذكور منهم دون الإناث. إلا إذا نزل ميتا فيشارك فيه الإناث ..
(1/2386)
وكانوا يجعلون هذا حراما وذلك حلالا! ومنه الميتة التي كانوا يحلونها ويقولون : ذبحها اللّه. فهي حلال بذبح اللّه! والقرآن يواجه هذا كله بحملة كاشفة يحشد فيها من المقررات الأساسية في العقيدة والمشاهد والحقائق المؤثرة ما يحشده في مواجهة قضية الشرك والإيمان في سياق السورة كله .. لأنها هي هي بعينها قضية الشرك والإيمان ، في صورة تطبيقية واقعة ..
ومن خلال هذه الحملة يتبين أن القضية هي قضية هذا الدين كما هي قضية هذه العقيدة. فهذه التشريعات
_____________
(1) يراجع تعريفها في سورة المائدة في الجزء السابع : ص 989 - 990.

(3/1183)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1184
والتقاليد ، إنما زينها للمشركين شركاؤهم الذين يشرعونها لهم ليدمروا حياتهم ويلبسوا عليهم دينهم. وتلبيس الدين وتدمير الحياة كلاهما مرتبطان. فإما شرع اللّه فهو الدين الواضح والحياة السليمة وإما شرع غير اللّه فهو الدين الغامض والحياة المهددة بالردى : «وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم» ..
ويتبين أن الشياطين وراء هذا العدول عن شرع اللّه ودينه ، إلى شرع الشركاء ودينهم. وأن الشيطان وهو العدو المبين يقود خطى المشركين إلى الخسران والتدمير : «كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» ..
(1/2387)
ويتبين أن التحريم والتحليل - بغير شرع اللّه - هو والشرك سواء. فهو شرك مثله ، وأن إحالة شيء من هذا كله إلى مشيئة اللّه القاهرة هو دعوى يدعيها المشركون في جميع العصور. فقد شاءت إرادة اللّه أن تعطي الناس قدرا من الاختيار تبتليهم به ومن ثم فلا قهر على الشرك في كل صوره إنما هو الابتلاء ، وهم غير مفلتين من قبضة اللّه على كل حال. «سيقول الذين أشركوا : لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء. كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون. قل : فلله الحجة البالغة ، فلو شاء لهداكم أجمعين».

 الآن نجيء إلى القضية التي جعلت هذه المقدمات كلها قاعدة لها .. قضية الحل والحرمة فيما ذكر اسم اللّه

(3/1192)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1193
عليه وما لم يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح .. وهي تأخذ أهميتها من ناحية تقرير المبدأ الإسلامي الأول : مبدأ حق الحاكمية المطلقة للّه وحده وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته في أية صورة من الصور .. وحين تكون القضية هي قضية هذا المبدأ فإن الصغيرة تكون كالكبيرة في تحقيق هذا المبدأ أو نقضه .. ولا يهم أن يكون الأمر أمر ذبيحة يؤكل منها أولا يؤكل أو أن يكون أمر دولة تقام أو نظام مجتمع يوضع. فهذه كتلك من ناحية المبدأ. وهذه كتلك تعني الاعتراف بألوهية اللّه وحده أو تعني رفض هذه الألوهية.
والمنهج القرآني يتكئ كثيرا جدا على هذا المبدأ لتقريره في كل مناسبة. ولا يمل تكراره حيثما جاءت مناسبته أمام كل تشريع للصغير وللكبير من الأمور .. ذلك أن هذا المبدأ هو العقيدة ، وهو الدين ، وهو الإسلام وليس وراءه من هذا الدين كله إلا التطبيقات والتفريعات.
(1/2405)
وسنجد في هذا المقطع من السورة - كما سنجد في بقيتها إلى ختامها - أن تقرير هذا المبدأ يكرر في صور شتى بمناسبة عرض شرائع الجاهلية وتقاليدها ويتضح ارتباط هذه الشرائع والتقاليد بالشرك والاستكبار عن الإسلام وانبثاقها من نقطة إقامة ألوهية أخرى غير ألوهية اللّه ، ومن ثم يسلط عليها القرآن هذه الحملات العنيفة ، المنوعة الأساليب ، ويربطها هذا الربط بأصل الاعتقاد وأصل الإيمان والإسلام.
إن السياق يبدأ بتقرير جهة الحاكمية في أمر العباد كله - تمهيدا لتقرير جهة الحاكمية في التحليل والتحريم في الذبائح ، الأمر الذي يزاول فيه المشركون حق الحاكمية افتراء على اللّه واعتداء على سلطانه - ويمهد لهذا الأمر تمهيدا طويلا كما نلحظ من سياق الآيات في هذا الموضع :
«أفغير اللّه أبتغي حكما ، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ، فلا تكونن من الممترين. وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ، وهو السميع العليم. وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه ، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين».
هذا التمهيد كله يجيء قبل أن يدخل في الموضوع الواقع الحاضر الذي يمهد له هذا التمهيد ، ثم يربطه ربطا مباشرا بقضية الإيمان أو الكفر :
«فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ .. إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ .. وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ - إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ».
وقبل أن ينتهي من عرض قضية التحليل والتحريم - بعد ذلك التمهيد كله - يفصل بين فقرتين بتوجيهات وتعقيبات أخرى ، تحوي مؤثرات قوية من الأمر والنهي والبيان والوعيد :
«
(1/2406)
وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ. وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ. إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ» ..
ثم يستأنف الحديث في قضية التحليل والتحريم فيربطها مباشرة بقضية الإسلام والشرك :
«وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ - وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ .. وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ»
..
ثم يمضي بعد ذلك شوطا آخر في الحديث عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان .. شوطا كأنه تعقيب على أمر التحليل والتحريم.

(3/1193)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1194
ومن هذا التتابع ، وهذا الربط ، وهذا التوكيد ، تتمثل طبيعة نظرة الإسلام لقضية التشريع والحاكمية ، في شؤون الحياة اليومية ..
«أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا ، وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» ..
إنه سؤال على لسان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - للاستنكار. استنكار أن يبتغي حكما غير اللّه في شأن من الشؤون على الإطلاق. وتقرير لجهة الحاكمية في الأمر كله ، وإفرادها بهذا الحق الذي لا جدال فيه.
ونفي أن يكون هناك أحد غير اللّه يجوز أن يتجه إليه طالبا حكمه في أمر الحياة كله :
«أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً؟» ..
ثم .. تفصيل لهذا الإنكار ، وللملابسات التي تجعل تحكيم غير اللّه شيئا مستنكرا غريبا .. إن اللّه لم يترك شيئا غامضا ولم يجعل العباد محتاجين إلى مصدر آخر ، يحكمونه في ما يعرض لهم من مشكلات الحياة :
«وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا» ..
(1/2407)
لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بالعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ولتتمثل فيه حاكمية اللّه وألوهيته. ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلا ، محتويا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة. كما أنه تضمن أحكاما تفصيلية في المسائل التي يريد اللّه تثبيتها في المجتمع الإنساني مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية والواقعية جملة .. وبهذا وذلك كان في هذا الكتاب غناء عن تحكيم غير اللّه في شأن من شؤون الحياة .. هذا ما يقرره اللّه - سبحانه - عن كتابه. فمن شاء أن يقول : إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل .. ولكن ليقل معه .. إنه - والعياذ باللّه - كافر بهذا الدين ، مكذب بقول رب العالمين! ثم إن هناك من حولهم ملابسة أخرى تجعل ابتغاء غير اللّه حكما في شأن من الشؤون أمرا مستنكرا غريبا ..
إن الذين أوتوا الكتاب من قبل يعلمون أن هذا الكتاب منزل من عند اللّه ، وهم أعرف بالكتاب لأنهم من أهل الكتاب :
«وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ» ..
ولقد كانت هذه ملابسة حاضرة في مكة وفي الجزيرة ، يخاطب اللّه بها المشركين .. سواء أقر أهل الكتاب بها وجهروا - كما وقع من بعضهم ممن شرح اللّه صدره للإسلام - أو كتموها وجحدوها - كما وقع من بعضهم - فالأمر في الحالين واحد وهو إخبار اللّه سبحانه - وخبره هو الصدق - أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربه بالحق .. فالحق محتواه كما أن الحق متلبس بتنزيله من اللّه ..
(1/2408)
وما يزال أهل الكتاب يعلمون أن هذا الكتاب منزل من اللّه بالحق. وما يزالون يعلمون أن قوة هذا الدين إنما تنبثق من هذا الحق الذي يتلبس به ، ومن هذا الحق الذي يحتويه. وما يزالون - من أجل علمهم بهذا كله - يحاربون هذا الدين ، ويحاربون هذا الكتاب ، حربا لا تهدأ .. وأشد هذه الحرب وأنكاها ، هو تحويل الحاكمية عن شريعة هذا الكتاب إلى شرائع كتب أخرى من صنع البشر. وجعل غير اللّه حكما ، حتى لا تقوم لكتاب اللّه قائمة ، ولا يصبح لدين اللّه وجود. وإقامة ألوهيات أخرى في البلاد التي كانت الألوهية فيها للّه وحده يوم كانت تحكمها شريعة اللّه التي في كتابه ولا تشاركها شريعة أخرى ، ولا يوجد إلى جوار كتاب اللّه كتب أخرى ، تستمد منها أوضاع المجتمع ، وأصول التشريعات ، ويرجع إليها ويستشهد بفقراتها

(3/1194)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1195
كما يستشهد المسلم بكتاب اللّه وآياته! وأهل الكتاب - من صليبيين وصهيونيين - من وراء هذا كله ومن وراء كل وضع وكل حكم يقام لمثل هذه الأهداف الخبيثة! وحين يقرر السياق أن هذا الكتاب أنزله اللّه مفصّلا وأن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من اللّه بالحق ، يلتفت إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن وراءه من المؤمنين به يهون عليه وعليهم شأن التكذيب والجدل الذي يجدونه من المشركين وشأن الكتمان والجحود الذي يجدونه من بعض أهل الكتاب :
«فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» ..
وما شك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولا امترى. ولقد ورد أنه - صلى اللّه عليه وسلم - عند ما نزل اللّه عليه : «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ. لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ» .. قال : «لا أشك ، ولا أسأل».
(1/2409)
ولكن هذا التوجيه وأمثاله وهذا التثبيت على الحق ونظائره تدل على ضخامة ما كان يلقاه - صلى اللّه عليه وسلم - والجماعة المسلمة معه من الكيد والعنت والتكذيب والجحود ورحمة اللّه - سبحانه - به وبهم بهذا التوجيه والتثبيت ..
ويمضي السياق في هذا الاتجاه يقرر أن كلمة اللّه الفاصلة قد تمت وأنه لا مبدل لها بفعل الخلق ، بالغا ما بلغ كيدهم :
«وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ..
لقد تمت كلمة اللّه - سبحانه - صدقا - فيما قال وقرر - وعدلا - فيما شرع وحكم - فلم يبق بعد ذلك قول لقائل في عقيدة أو تصور أو أصل أو مبدأ أو قيمة أو ميزان. ولم يبق بعد ذلك قول لقائل في شريعة أو حكم ، أو عادة أو تقليد .. ولا معقب لحكمه ولا مجير عليه ..
«وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ..
الذي يسمع ما يقوله عباده ، ويعلم ما وراءه ، كما يعلم ما يصلح لهم ، وما يصلحهم.
وإلى جانب تقرير أن «الحق» هو ما تضمنه الكتاب الذي أنزله اللّه ، يقرر أن ما يقرره البشر وما يرونه إن هو إلا اتباع الظن الذي لا يقين فيه واتباعه لا ينتهي إلا إلى الضلال. وأن البشر لا يقولون الحق ولا يشيرون به إلا إذا أخذوه من ذلك المصدر الوحيد المستيقن ويحذر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يطيع الناس في شيء يشيرون به عليه من عند أنفسهم مهما بلغت كثرتهم فالجاهلية هي الجاهلية مهما كثر أتباعها الضالون :
«وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» ..
(1/2410)
ولقد كان أكثر من في الأرض - كما هو الحال اليوم بالضبط - من أهل الجاهلية .. لم يكونوا يجعلون اللّه هو الحكم في أمرهم كله ، ولم يكونوا يجعلون شريعة اللّه التي في كتابه هي قانونهم كله. ولم يكونوا يستمدون تصوراتهم وأفكارهم ، ومناهج تفكيرهم ومناهج حياتهم من هدى اللّه وتوجيهه .. ومن ثم كانوا - كما هو الحال اليوم - في ضلالة الجاهلية لا يملكون أن يشيروا برأي ولا بقول ولا بحكم يستند على الحق ويستمد منه ولا يقودون من يطيعهم ويتبعهم إلا إلى الضلال .. كانوا - كما هم اليوم - يتركون العلم المستيقن ويتبعون الظن والحدس .. والظن والحدس لا ينتهيان إلا إلى الضلال .. وكذلك حذر اللّه رسوله من طاعتهم واتباعهم كي لا يضلوا عن سبيل اللّه .. هكذا على وجه الإجمال. وإن كانت المناسبة الحاضرة حينذاك كانت هي مناسبة

(3/1195)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1196
تحريم بعض الذبائح وتحليل بعضها كما سيجيء في السياق ..
ثم قرر أن الذي يحكم على العباد بأن هذا مهتد وهذا ضال هو اللّه وحده. لأن اللّه وحده هو الذي يعلم حقيقة العباد ، وهو الذي يقرر ما هو الهدى وما هو الضلال :
«إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» ..
فلا بد من قاعدة للحكم على عقائد الناس وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم ونشاطهم وأعمالهم. لا بد من قاعدة لتقرير ما هو الحق وما هو الباطل في هذا كله - كي لا يكون الأمر في هذه المقومات هو أمر هوى الناس المتقلب واصطلاحهم الذي لا يقوم على علم مستيقن .. ثم لا بد من جهة تضع الموازين لهذه المقومات ، ويتلقى منها الناس حكمها على العباد والقيم سواء.
واللّه - سبحانه - يقرر هنا أنه هو - وحده - صاحب الحق في وضع هذا الميزان. وصاحب الحق في وزن الناس به ، وتقرير من هو المهتدي ، ومن هو الضال.
(1/2411)
إنه ليس «المجتمع» هو الذي يصدر هذه الأحكام وفق اصطلاحاته المتقلبة .. ليس المجتمع الذي تتغير أشكاله ومقوماته المادية ، فتتغير قيمه وأحكامه .. حيث تكون قيم وأخلاق للمجتمع الزراعي ، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الصناعي. وحيث تكون هناك قيم وأخلاق للمجتمع الرأسمالي البر جوازي ، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الاشتراكي أو الشيوعي .. ثم تختلف موازين الناس وموازين الأعمال وفق مصطلح هذه المجتمعات! الإسلام لا يعرف هذا الأصل ولا يقره .. الإسلام يعين قيما ذاتية له يقررها اللّه - سبحانه - وهذه القيم تثبت مع تغير «أشكال» المجتمعات .. والمجتمع الذي يخرج عليها له اسمه في الاصطلاح الإسلامي .. إنه مجتمع غير إسلامي .. مجتمع جاهلي .. مجتمع مشرك باللّه ، لأنه يدع لغير اللّه - من البشر - أن يصطلح على غير ما قرره اللّه من القيم والموازين والتصورات والأخلاق ، والأنظمة والأوضاع .. وهذا هو التقسيم الوحيد الذي يعرفه الإسلام للمجتمعات وللقيم وللأخلاق .. إسلامي وغير إسلامي .. إسلامي وجاهلي .. بغض النظر عن الصور والأشكال!! بعد هذا التمهيد التقريري الطويل تجيء قضية الذبائح ، مبنية على القاعدة الأساسية التي أقامها ذلك التمهيد التقريري الطويل :
«
(1/2412)
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ .. إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ .. وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ - إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ - وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ. وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ. وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ - وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» ..
وقبل أن ندخل في تفصيل هذه الأحكام من الناحية الفقهية ، يهمنا أن نبرز المبادئ الأساسية الاعتقادية التي تقررها.
إنه يأمر بالأكل مما ذكر اسم اللّه عليه. والذكر يقرر الوجهة ويحدد الاتجاه. ويعلق إيمان الناس بطاعة هذا الأمر الصادر إليهم من اللّه :
«فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ .. إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ» ..

(3/1196)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1197
ثم يسألهم : وما لهم في الامتناع من الأكل مما ذكر اسم اللّه عليه ، وقد جعله اللّه لهم حلالا؟ وقد بين لهم الحرام الذي لا يأكلونه إلا اضطرارا؟ فانتهى بهذا البيان كل قول في حله وحرمته وفي الأكل منه أو تركه؟
«وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ؟» ..
(1/2413)
ولما كانت هذه النصوص تواجه قضية حاضرة إذ ذاك في البيئة ، حيث كان المشركون يمتنعون من ذبائح أحلها اللّه ويحلون ذبائح حرمها اللّه - ويزعمون أن هذا هو شرع اللّه! - فإن السياق يفصل في أمر هؤلاء المشترعين المفترين على اللّه ، فيقرر أنهم إنما يشرعون بأهوائهم بغير علم ولا اتباع ، ويضلون الناس بما يشرعونه لهم من عند أنفسهم ، ويعتدون على ألوهية اللّه وحاكميته بمزاولتهم لخصائص الألوهية وهم عبيد :
«وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ .. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ» ..
ويأمرهم بأن يتركوا الإثم كله - ظاهره وخافيه - ومنه هذا الذي يزاولونه من إضلال الناس بالهوى وبغير علم وحملهم على شرائع ليست من عند اللّه ، وافتراء أنها شريعة اللّه! ويحذرهم مغبة هذا الإثم الذي يقترفونه :
«وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ» ..
ثم ينهى عن الأكل مما لم يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح التي كانوا يذكرون عليها أسماء آلهتهم أو ينحرونها للميسر ويستقسمونها بالأزلام أو من الميتة التي كانوا يجادلون المسلمين في تحريمها ، يزعمون أن اللّه ذبحها! فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم ، ولا يأكلون مما ذبح اللّه؟! وهو تصور من تصورات الجاهلية التي لا حد لسخفها وتهافتها في جميع الجاهليات! وهذا ما كانت الشياطين - من الإنس والجن - توسوس به لأوليائها ليجادلوا المسلمين فيه من أمر هذه الذبائح مما تشير إليه الآيات :
«وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ - وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ .. وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ..» ..
(1/2414)
وأمام هذا التقرير الأخير نقف ، لنتدبر هذا الحسم وهذه الصراحة في شأن الحاكمية والطاعة والاتباع في هذا الدين ..
إن النص القرآني لقاطع في أن طاعة المسلم لأحد من البشر في جزئية من جزئيات التشريع التي لا تستمد من شريعة اللّه ، ولا تعتمد على الاعتراف له وحده بالحاكمية .. أن طاعة المسلم في هذه الجزئية تخرجه من الإسلام للّه ، إلى الشرك باللّه.
وفي هذا يقول ابن كثير :
«وقوله تعالى : (وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) .. أي حيث عدلتم عن أمر اللّه لكم وشرعه ، إلى قول غيره ، فقدمتم عليه غيره .. فهذا هو الشرك .. كقوله تعالى : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» ..
الآية. وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال : يا رسول اللّه ما عبدوهم. فقال : «بلى! إنهم أحلوا لهم الحرام ، وحرموا عليهم الحلال. فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم».
كذلك روى ابن كثير عن السدي في قوله تعالى : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ...»
الآية قوله : (استنصحوا الرجال ، ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم. ولهذا قال تعالى : «وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا

(3/1197)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1198
إِلهاً واحِداً»
أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام. وما حلله فهو الحلال ، وما شرعه اتبع ، وما حكم به نفذ) ..
فهذا قول السدي وذاك قول ابن كثير .. وكلاهما يقرر في حسم وصرامة ووضوح - مستمدة من حسم النص القرآني وصرامته ووضوحه ، ومن حسم التفسير النبوي للقرآن وصرامته ووضوحه كذلك - أن من أطاع بشرا في شريعة من عند نفسه ، ولو في جزئية صغيرة ، فإنما هو مشرك. وإن كان في الأصل مسلما ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضا .. مهما بقي بعد ذلك يقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه بلسانه. بينما هو يتلقى من غير اللّه ، ويطيع غير اللّه.
(1/2415)
وحين ننظر إلى وجه الأرض اليوم - في ضوء هذه التقريرات الحاسمة - فإننا نرى الجاهلية والشرك - ولا شيء غير الجاهلية والشرك - إلا من عصم اللّه ، فأنكر على الأرباب الأرضية ما تدعيه من خصائص الألوهية ولم يقبل منها شرعا ولا حكما ... إلا في حدود الإكراه ..
فأما الحكم الفقهي المستفاد من قوله تعالى : «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ..» فيما يتعلق بحل الذبائح وحرمتها عند التسمية وعدم التسمية فقد لخصها ابن كثير في التفسير في هذه الفقرات قال :
«استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم اللّه عليها ، وإن كان الذابح مسلما» ..
«وقد اختلف الأئمة رحمهم اللّه في هذه المسألة على ثلاثة أقوال :
«فمنهم من قال : لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة. وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا. وهو مروي عن ابن عمر ، ونافع مولاه ، وعامر الشعبي ، ومحمد بن سيرين. وهو رواية عن الإمام مالك ، ورواية عن أحمد بن حنبل ، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين. وهو اختيار أبي ثور ، وداود الظاهري.
واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين ، واحتجوا لمذهبهم بهذه الآية ، وبقوله في آية الصيد : «فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» .. ثم قد أكد ذلك بقوله : «وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ» والضمير قيل : عائد على الأكل ، وقيل : عائد على الذبح لغير اللّه. وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد ، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة : «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه عليه فكل ما أمسك عليك». وهما في الصحيحين. وحديث رافع بن خديج : «ما أنهر الدم وذكر اسم اللّه عليه فكلوه». وهو في الصحيحين أيضا ...
«
(1/2416)
والمذهب الثاني في المسألة : أنه لا يشترط التسمية ، بل هي مستحبة ، فإن تركها عمدا أو نسيانا لا يضر.
وهذا مذهب الإمام الشافعي ، رحمه اللّه ، وجميع أصحابه. ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الإمام مالك ، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه. وحكي عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وعطاء بن أبي رباح. واللّه أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة : «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ» على ما ذبح لغير اللّه كقوله تعالى : «أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ». وقال ابن جريج عن عطاء :
«وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» .. قال : ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان ، وينهى عن ذبائح المجوس .. وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي ...
«وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، أنبأنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية : «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» قال : هي الميتة. وقد استدل لهذا المذهب بما رواه

(3/1198)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1199
أبو داود في المراسيل من حديث ثور بن يزيد عن الصلت السدوسيّ مولى سويد بن ميمون أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات. قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : «ذبيحة المسلم حلال ، ذكر اسم اللّه أولم يذكر. إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم اللّه» .. وهذا مرسل يعضد بما رواه الدار قطني عن ابن عباس أنه قال : «إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم اللّه فليأكل. فإن المسلم فيه اسم من أسماء اللّه».
«
(1/2417)
المذهب الثالث : إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضر ، وإن تركها عمدا لم تحل .. هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل ، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه. وإسحاق بن راهويه. وهو محكي عن علي ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وطاووس ، والحسن البصري ، وأبي مالك ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وجعفر بن محمد ، وربيعة بن ابي عبد الرحمن ...»
«قال ابن جرير : وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية : هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم :
لم ينسخ منها شي ء ، وهي محكمة فيما عينت به. وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم. وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين بن واقد ، عن عكرمة والحسن البصري ، قالا : قال اللّه : «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ» وقال : «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ» فنسخ ، واستثنى من ذلك فقال : «وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» وقال ابن أبي حاتم : قرأ عليّ العباس بن الوليد بن يزيد ، حدثنا محمد بن شعيب ، أخبرني النعمان - يعني ابن المنذر - عن مكحول قال : أنزل اللّه في القرآن : «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ». ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال : «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ» فنسخها بذلك ، وأحل طعام أهل الكتاب. ثم قال ابن جرير : والصواب : أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب وبين تحريم ما لم يذكر اسم اللّه عليه .. وهذا الذي قاله صحيح. ومن أطلق من السلف النسخ هنا ، فإنما أراد التخصيص ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم» ... انتهى.
(1/2418)
بعد ذلك يجيء شوط كامل عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان. وعن قدر اللّه في أن يجعل في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها. وعن الكبر الذي يحيك في نفوس هؤلاء المجرمين الأكابر. ويمنعهم من الإسلام.
ويختم الشوط بالتصوير الرائع الصادق لحالة الإيمان التي يشرح اللّه لها الصدر ، وحالة الكفر التي يجعل الصدر فيها ضيقا حرجا مكروب الأنفاس! .. فيتصل هذا الشوط كله بموضوع التحريم والتحليل في الذبائح اتصال الأصل القاعدي بالفرع التطبيقي ويدل على عمق هذا الفرع وشدة علاقته بالأصل الكبير :
«أو من كان ميتا فأحييناه ، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟
كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون. وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. وإذا جاءتهم آية قالوا : لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه. اللّه أعلم حيث يجعل رسالته. سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللّه وعذاب شديد بما كانوا يمكرون. فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ، كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون».
إن هذه الآيات في تصوير طبيعة الهدى وطبيعة الإيمان إنما تعبر تعبيرا حقيقيا واقعيا عن حقيقة واقعية كذلك.

(3/1199)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1200
إن ما يبدو فيها من تشبيه ومجاز إنما هو لتجسيم هذه الحقيقة في الصورة الموحية المؤثرة ولكن العبارة في ذاتها حقيقية.
إن نوع الحقيقة التي تعبر هذه الآيات عنها هو الذي يقتضي هذه الإيقاعات التصويرية. فهي حقيقة ، نعم.
(1/2419)
ولكنها حقيقة روحية وفكرية. حقيقة تذاق بالتجربة. ولا تملك العبارة إلا أن تستحضر مذاق التجربة ولكن لمن ذاقها فعلا! إن هذه العقيدة تنشئ في القلب حياة بعد الموت وتطلق فيه نورا بعد الظلمات. حياة يعيد بها تذوق كل شي ء ، وتصور كل شي ء ، وتقدير كل شيء بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة. ونورا يبدو كل شيء تحت أشعته وفي مجاله جديدا كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذي نوّره الإيمان.
هذه التجربة لا تنقلها الألفاظ. يعرفها فقط من ذاقها .. والعبارة القرآنية هي أقوى عبارة تحمل حقيقة هذه التجربة. لأنها تصورها بألوان من جنسها ومن طبيعتها.
إن الكفر انقطاع عن الحياة الحقيقية الأزلية الأبدية ، التي لا تفنى ولا تغيض ولا تغيب. فهو موت ..
وانعزال عن القوة الفاعلة المؤثرة في الوجود كله .. فهو موت .. وانطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية .. فهو موت ..
والإيمان اتصال ، واستمداد ، واستجابة .. فهو حياة ..
إن الكفر حجاب للروح عن الاستشراف والاطلاع .. فهو ظلمة .. وختم على الجوارح والمشاعر .. فهو ظلمة ..
وتيه في التيه وضلال .. فهو ظلمة ..
وإن الإيمان تفتح ورؤية ، وإدراك واستقامة .. فهو نور بكل مقومات النور ..
إن الكفر انكماش وتحجر .. فهو ضيق .. وشرود عن الطريق الفطري الميسر .. فهو عسر .. وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن .. فهو قلق ..
وإن الإيمان انشراح ويسر وطمأنينة وظل ممدود ..
(1/2420)
وما الكافر؟ إن هو إلا نبتة ضالة لا وشائج لها في تربة هذا الوجود ولا جذور .. إن هو إلا فرد منقطع الصلة بخالق الوجود ، فهو منقطع الصلة بالوجود. لا تربطه به إلا روابط هزيلة من وجوده الفردي المحدود. في أضيق الحدود. في الحدود التي تعيش فيها البهيمة. حدود الحس وما يدركه الحس من ظاهر هذا الوجود! إن الصلة باللّه ، والصلة في اللّه ، لتصل الفرد الفاني بالأزل القديم والأبد الخالد. ثم تصله بالكون الحادث والحياة الظاهرة .. ثم تصله بموكب الإيمان والأمة الواحدة الضاربة في جذور الزمان. الموصولة على مدار الزمان .. فهو في ثراء من الوشائج ، وفي ثراء من الروابط. وفي ثراء من «الوجود» الزاخر الممتد اللاحب ، الذي لا يقف عند عمره الفردي المحدود.
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور ، فتتكشف له حقائق هذا الدين ، ومنهجه في العمل والحركة ، تكشفا عجيبا .. إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يجده الإنسان في قلبه حين يجد هذا النور .. مشهد التناسق الشامل العجيب في طبيعة هذا الدين وحقائقه. ومشهد التكامل الجميل الدقيق في منهجه للعمل وطريقته. إن هذا الدين لا يعود مجموعة معتقدات وعبادات وشرائع وتوجيهات .. إنما يبدو «تصميما» واحدا متداخلا متراكبا متناسقا ..
متعاشقا يبدو حيا يتجاوب مع الفطرة وتتجاوب معه في ألفة عميقة وفي صداقة وثيقة ، وفي حب ودود!

(3/1200)









في ظلال القرآن ، ج 3 ، ص : 1201
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فتتكشف له حقائق الوجود ، وحقائق الحياة ، وحقائق الناس ، وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون وتجري في عالم الناس .. تتكشف له في مشهد كذلك رائع باهر .. مشهد السّنّة الدقيقة التي تتوالى مقدماتها ونتائجها في نظام محكم ولكنه فطري ميسر .. ومشهد المشيئة القادرة من وراء السنة الجارية تدفع بالسنة لتعمل وهي من ورائها محيطة طليقة .. ومشهد الناس والأحداث وهم في نطاق النواميس وهي في هذا النطاق أيضا.
(1/2421)
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضوح في كل شأن وفي كل أمر وفي كل حدث .. يجد الوضوح في نفسه وفي نواياه وخواطره وخطته وحركته. ويجد الوضوح فيما يجري حوله سواء من سنة اللّه النافذة ، أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة! ويجد تفسير الأحداث والتاريخ في نفسه وعقله وفي الواقع من حوله ، كأنه يقرأ من كتاب! ويجد الإنسان في قلبه هذا النور ، فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه! ويجد الراحة في باله وحاله ومآله! ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها ، وفي استقبال الأحداث واستدبارها! ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة وفي كل حين! وهكذا يصور التعبير القرآني الفريد تلك الحقيقة بإيقاعاته الموحية :
«أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ، وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها؟».
كذلك كان المسلمون قبل هذا الدين. قبل أن ينفخ الإيمان في أرواحهم فيحييها ، ويطلق فيها هذه الطاقة الضخمة من الحيوية والحركة والتطلع والاستشراف .. كانت قلوبهم مواتا. وكانت أرواحهم ظلاما .. ثم إذا قلوبهم ينضح عليها الإيمان فتهتز ، وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضي ء ، ويفيض منها النور فتمشي به في الناس تهدي الضال ، وتلتقط الشارد ، وتطمئن الخائف ، وتحرر المستعبد ، وتكشف معالم الطريق للبشر وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد. الإنسان المتحرر المستنير الذي خرج بعبوديته للّه وحده من عبودية العبيد! أفمن نفخ اللّه في روحه الحياة ، وأفاض على قلبه النور .. كمن حاله أنه في الظلمات ، لا مخرج له منها؟
إنهما عالمان مختلفان شتان بينهما شتان! فما الذي يمسك بمن في الظلمات والنور حوله يفيض؟
«كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..
(1/2422)
هذا هو السر .. إن هناك تزيينا للكفر والظلمة والموت! والذي ينشئ هذا التزيين ابتداء هو مشيئة اللّه التي أودعت فطرة هذا الكائن الإنساني الاستعداد المزدوج لحب النور وحب الظلمة ، تبتليه بالاختيار للظلمة أو النور. فإذا اختار الظلمة زينت له ولج في الضلال حتى لا يخرج من الظلمة ولا يعود ، ثم إن هناك شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، ويزينون للكافرين ما يعملون .. والقلب الذي ينقطع عن الحياة والإيمان والنور ، يسمع في الظلمة للوسوسة ولا يرى ولا يحس ولا يميز الهدى من الضلال في ذلك الظلام العميق! .. وكذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ..
وبنفس الطريقة ، ولنفس الأسباب ، وعلى هذه القاعدة جعل اللّه في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها .. ليتم الابتلاء وينفذ القدر وتتحقق الحكمة ويمضي كل فيما هو ميسر له ، وينال كل جزاءه في نهاية المطاف 

المراجع / شرح مفردات الصف العاشر/تفاسير القرآن في ظلال القرآن ... 


 

 

 

 



الثلاثاء، 13 نوفمبر 2012

الأيمان:   
جمع يمين، وهو القسم أو الحلف بأسماء الله تعالى أو صفاته لفعل أمر أوتركه.
وقد جعل الإسلام اليمين من وسائل المحافظة على الحقوق بين الناس ودفع الظلم عنهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف يمينا فرآى خيرا منها، فليكفرعن يمينه ويفعل ماحلف عليه" 
  
           
 
                

فوائد في الحلف بالله وإقتران الحلف بمشيئة الله
أولا أنه ((لا ينبغي للإنسان الإكثار من اليمين )) لقوله تعالى في سورة المائدة " واحفظوا أيمانكم" فسرها بعض العلماء أي لا تكثروا اليمين، ولأن الإكثار من اليمين فيه شيء من التهاون بالمحلوف به فلا ينبغ يالإكثار من اليمين ولا يحلف إلأ بشيء مهم ،
ثانياً ((اقران اليمين بالمشيئة )) وإذا حلف بشيء عليه أن تقرن ذلك بمشيئة الله فتقول: ( إن شاء الله ) لتستفيد في ذلك فائدتين
الفائدة (1) لتسهيل أمر ك ودليله أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لما سئل عن قصة أصحاب الكهف قال أخبركم غداً ولكنه امتنع الوحي إلى خمسة عشر يوماً وفي ذلك قال الله تعالى" ولا تقولن لشيء إني فاعلٌ ذلك غداً إلا أن يشاء الله " سورة الكهف
الفائدة (2) رفع الكفارة عنك فيما لو حنتت ، ودليله فقد قال الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ــ ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنت عليه ).
لذلك ينبغي للإنسان أن يقرن يمينه دائما بـــ ( إن شاء الله ) أو ( إلا أن يشاء الله ) ولا يكفي أن يمررها على قلبه بل لابد من النطق بها .
ثالثاً ((اليمين التي تجب فيه الكفارة ))أما الكفارة فلا تجوز إلا بشروط وهي :
1 ـ أن تكون اليمين منعقدة وهي يمين قصد عقدها على مستقبل ممكن ، وإن لم يقصد عقدها لم تكن منعقدة فلا تلزمه كفارة، ولكن إن كان صادقاً فقد بر، وإن كان كاذباً فعليه إثم الكاذبين ويتضاعف إثمه لانه قرن كذبه باليمين بالله .
2 ــ أما الحلف على الماضي فليس عليه كفارة، إما أن يكون كاذبا وإما أن يكون صادقاً ؛ مثال أن يقول : ( والله حصل أمس كذا وكذا ) وهو لم يحصل، فحكمه أنه ليس عليه كفارة لأن ذلك على امر ماضٍ ، فهذا إن كان صادقاً فهو سالم وإن كان كاذبا فهو آثم.
مع جواز الحلف على أمر ماض بغلبة ظنه لأنه حُلف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على غلبة الظن ولم ينكر ذلك .
3 ــ أما إن لم يقصد عقدها فلا حنت عليه لقوله تعالى" لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الآيمان" وهي التي تأتي في مجرى الكلام مثل والله وبالله ولم يقصد الحلف أو عقدها.
أما من حلف عن شيء مستحيل فهذا اختلف فيه العلماء فمنهم من قال فيه كفارة ومنهم من قال ليس فيه كفارة لأنه من لغو الكلام .

/ شرح مفردات الصف العاشر/من شرح كتاب الأيمان والنذور للشيخ محمد صالح العثيمين.